الجريمة والعقاب: رواية تضعكَ أمام نفسِك.
-لم تكن تجربتي مع رواية الجَرِيمَة والعِقَاب تجربة عابرة لكنها عميقة، حيث جعلني فيودور دوستويفسكي ذلك العِملاق الأدبي أكتشِفُ ما تُخفيه النفس البشرية هذا ما جعله يَكتُب عنِ الإنسان أكثر ما كتَب عنِ الجريمة.
فهل يُمكن لفكرة واحدة أنْ تتحول إلى جريمة تُحطِّم صاحبَها؟ وماذا يحدُث عندما يُصبح الضمير هو القاضي والجَلاَّد في آنٍ واحد؟
-تُعَدُّ رواية الجريمة والعقاب إحدى قِمم الأعمال الإنسانية، إنه ذلك الغُموض الذي يَجعلُك مُجردًا أمام النفس البشرية والذي يجعلُك تُعيد النظر في معنى الخير والشر.
"راسكولنيكوف" ليس مُجرد شخصية رواية بل حالة فكرية لمحاولة فهم تعقيدات الشخصية الإنسانية، هو شاب روسي فقير كان طالب سابق في سانت بطر سبروف، يعيش في عُزلة ويعاني منَ الفقر والضغط النفسي.
لم تكُن علاقة راسكولنيكوف بالمرأة العجوز التي كان يستأجر عِندَها الغرفة علاقة عادية بل كانت مشحونة بِنظرة مُعقدة، إذ كان يعتبرها رمز للاستغلال والقسوة.
مع تراكم الضغوطات، والفقر داخل ذهنه بدأ يُكوِّن تبريرًا فكريًّا خطيرًا لفعل الجريمة مُعتقِدًا أنَّ التخلص منَ العجوز قد يكون نوعًا منَ "العدالة".
"ليست الجريمة في الفعل وحده بل في الفكرة التي تسبِقُه"وقع راسكولنيكوف في فِكرتِه التي ستجعلُه في صراع داخلي. بعد جريمتِه حدثَ التحول الحقيقي، حيث لم يَدخل في الراحة أو الإنتصار كما كان يتوقع بل وَجَد نفسَه يعيش في حالة منَ الإنقسام الداخلي، في عُمق هذا الإضطراب النفسي كان يُهيء له كأنه يُخاطب نفسَه بين الإعتراف والإنكار إذ قال في الرواية "ألا أكون قد قتلتُ نفسي، لا العجوز؟"
وسط هذا الثِّقل النفسي الذي كان يعيشُه راسكولنيكوف تظهر شخصية سونيا التي بدت في الرواية تُمثل الجانب الإنساني في المبادئ وسط عاصفة داخلية لا تهدأ. حيث كانت تواجهه بالحقيقة بأن الهروب منَ الذنب مستحيل، وأن التخلص منه لا يكون بإنكار الخطأ، بل بالإعتراف به.
-في نهاية رواية الجريمة والعقاب لا يُقدِّم دوستويفكسي حُكمًا مباشرًا على الإنسان بقدر ما يكشِفُ حقيقته كما هي: كائن معقد، يعيش بين ما يبرره عقله وما يرفضه ضميره، فالنفس البشرية ساحة دائمة للصراع بين الرغبة في تجاوز الحدود وبين الشعور بالذنب.
وفي الأخير مهما حاول الإنسان تبرير أفعالِه يبقى هناك شيء لا يقبل التبرير ذلك الصوت الداخلي الذي لا يصمُت أبدًا.ويبقى السؤال.
ماذا يحدث عندما يُصبِح الضمير هو القاضي، والمتهم والعقوبة في آنٍ واحد؟

تعليقات
إرسال تعليق