مذكرات من تحت الأرض: غوص في دهاليز النفس البشرية
لايحتاج الإنسان دائما إلى عدو خارجي كي يتعذب ، فأحيانا يكون عقله وحده كافيا لتذميره ، فما الذي يحدث عندما يفكر الإنسان أكثر مما ينبغي ؟ وعندنا يتحول الوعي إلى عبء والعقل إلى سجن ؟ هذا ما حاول دوستويفكسي كشفه في روايته " مذكرات من تحت الأرض" واحدة من أكثر الروايات عمقاً في تحليل النفس البشرية وكشف تناقضاتها وصراعاتها الخفية.
من خلال الرواية يكشف لنا دوستويفكسي أننا لسنا أمام مجرد شخص غريب الأطوار بل ستجد نفسك أمام مواجهة اعقد الشخصيات الذي يطلق عليه الكاتب "رجل القبو " إنسان اختار ان يعزل نفسه عن المجتمع و يعيش في قبو ضيق ، مكبَّلاً بوعيه الحاد ، نحن أمام شخصية لا تعيش في العالم بقدر ما تعيش داخل رأسها، حيث يعيش في عزلة صراع دائم مع الذات في داخله عقل لا يتوقف عن التحليل ، يراقب كل شعور وكل كلمة.
يفتتح دوستوفسكي الأسطر الأولى من الرواية بإعلان البطل عن حالته النفسية بوضوح صادم حيث قال : " أنا رجل مريض ، أنا رجل حاقد.. ، أنا رجل غير جذاب " لكن أكثر ما يميزه هو وعيه المؤلم فهو لا يجهل عيوبه بل يدركها بوضوح قاتل ، وهنا تكمن مأساة الإنسان الحقيقية.
هذا الوعي ليس مجرد أفكار بل هو سجن حقيقي يصيب البطل بشلل تام عن الفعل و الحركة ، حيث ينفجر تمرده الفكري على كل ماهو منطقي إنه يرفض حتى أن 4 = 2+2 لمجرد أنها نتيجة حتمية تلغي حريته إنه مستعد لتدمير نفسه فقط ليثبت للعالم أنه كائن حر يملك إرادة مستقلة .
و في النهاية : هل نحن جميعاً نعيش في القبو ؟
"مذكرات من تحت الأرض" ليست مجرد حبر على ورق بل هي كمين سيكولوجي نصبه دوستوفسكي ، حيث خلق شخصية مريضة ليسرق مفتاح غرفتك السرية " رجل القبو" ليس حالة استثنائية إنه " أنا" و "أنت" في أسوأ لحظات تراجعنا وانكسارنا .
هذه الرواية هي فأس يكسر البحر المتجمد في أعماقنا.
بكل شجاعة لو فُتح باب "قبوكَ الخاص " للعلن ، ما هي الفكرة أو الرغبة السوداوية التي تخاف أن يكتشفها الناس في أعماقك ؟


تعليقات
إرسال تعليق