القائمة الرئيسية

الصفحات

النفق — إرنيستو ساباتو


     ✧・゚: ✧・゚:    :・゚✧:・゚✧

❝ أدركتُ متأخراً أن عالمي لم يكن سوى متاهةٍ من المرايا المشوّهة التي صنعتها شكوكي. ❞

✦ ★ ✦ إرنستو ساباتو ✦ ★ ✦

                                                                         بَيْنَ لَوْحَةٍ وَرَصَاصَةٍ، حِكَايَةُ رَجُلٍ سَجَنَهُ عَقْلُهُ



     في عالم مظلم مليء بالشكوك والأسرار يأخذنا "إِرْنِسْتُو سَابَاتُو" في رحلة نفسية عميقة من خلال روايته "النَّفَق".
 هنا نلتقي بـ"خُوَان بَابْلُو كَاسْتِيلْ"، الرسام الذي يعيش في عزلة قاتلة، كأنه شبح يسكن بين جدران لوحاته حيث تتداخل أفكاره المظلمة مع مشاعر الحب والجنون، فلا يعود يدري أهو يحب ماريا أم يحب فكرة أنه أخيراً "مُفْهُومٌ".

مع كل صفحة نغوص في أعماق روحه المعذبة، ونكتشف كيف يمكن للعزلة أن تصبح نَفَقًا لا مخرج له؟ وهل يمكن أن نجد النور وسط الظلام النفسي؟  
 الرواية إذن ليست عن جريمة قتل، بل عن جريمة أكبر: قتل الذات بالشك، وقتل الآخر بالوهم.

 هذه الرواية تدعونا للتأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية وصراعات الهوية  فكلنا نحمل داخلنا "كاستيل صغير" يخاف أن لا يراه أحد.

      تبدأ الرواية باعتراف صادم: "كان يكفيني أن أقول أنني قتلتها"  من هنا سحبنا ساباتو إلى داخل عقل القاتل خوان بابلو كاستيل، لا لنبرر جريمته، بل لنعيش هواجسه لحظة بلحظة  فالبطل ليس وحشًا، بل فنانًا منطويًّا قضى عمره يبحث عن من يراه، عن "عينٍ واحدة" تثبت وجوده.

وعندما لاحظت مَارْيَا تفصيلًا دقيقًا في لوحته لم ينتبه له أحد، اعتقد كاستيل أنه وجد أخيرًا النافذة الوحيدة في جدران نفق عزلته  لكنه لم يفهم أن النافذة تُفتح، لا تُحطم.

 هنا يكمن مكر ساباتو: جعل من التفصيل الصغير في اللوحة رمزًا لوهم التفاهم الكامل. فما كان منقذًا، تحول إلى فخ
مشكلة كاستيل أن عقله لا يعرف الحب البسيط  كل ابتسامة من ماريا يحولها إلى دليل، وكل تأخر منها يصبح خيانة مؤكدة  يحول الغموض الطبيعي للمرأة إلى متاهة من الشكوك، ويحول حبه إلى مراقبة وغيرة خانقة  وهذا ما دفعه إلى حافة الجنون. 

فكاستيل لا يكتفي بحب ماريا، بل يريد امتلاك قلبها وعقلها وكل لحظة من حياتها فهو لم يحبها كإنسانة حرة، بل أحبها كإثبات أنه موجود ومفهوم  ماريا لم تكن حبيبة بالنسبة له بل كانت الشاهدة الوحيدة على أن عقله المنعزل والمريض يمكن أن يُفهم. 

فمأساة الإنسان أنه لا يمكن فهمه بالكامل ولا امتلاكه كاملًا  فكلما ضيق كاستيل الخناق عليها بشكوكه، كلما هربت منه أكثر، لأن الحب لا يُسجن،  لكن عقل كاستيل المريض رفض هذه القاعدة الوجودية  بالنسبة له، مجرد أن ماريا تتحدث أو تفهم شخصًا آخر كان كافيًا ليحكم عليها بالإعدام. فالغيرة بالنسبة له لم تكن دليل حب بل دليل يأس من أن يُحَب كما هو، بجنونه وعزلته.

وهكذا وصل إلى النقطة التي لا عودة بعدها  في تلك الغرفة أمام البحر، لم يقتل جسدها فقط بل قتل "النافذة الوحيدة" التي كانت تفتح على العالم  قتل آخر إنسانة قالت له "أنا أفهمك". 
 البحر هنا ليس صدفة  هو رمز للحرية واللانهاية التي حرم نفسه منها  قتلها أمام البحر لأنه قتل في نفسه فكرة أن يكون حرًا.

فبعد الجريمة يكتشف كاستيل مأساته الحقيقية: أنه لم يقتل الشك بل خلّده  فماريا كانت له عالمًا شاسعًا ومليئًا بالحياة، أما هو فبقي وحده يعترف: "عالمي أنا فقط هو الذي كان مظلمًا وموحشًا".

وهكذا يدرك كاستيل متأخرًا أن السجن الحقيقي ليس القضبان، بل عقله فقد قتل ماريا جسدًا وقتل نفسه شكًّا فالنفق إذن ليس مكانًا، بل حالة  كل من يختار العزلة بدل الفهم، والامتلاك بدل الثقة.
     
في النهاية رواية "النفق" هي مرآة قاسية. فساباتو لا يروي لنا قصة ماريا فقط، بل يجبرنا أن نواجه كاستيل الذي يسكننا جميعًا، ذلك الصوت الذي يفسر الصمت خيانة والحب سجنًا فالرواية صفعة توقظنا من وهم السيطرة، فما نظنه فهمًا للآخر، قد يكون مجرد أوهام نسجن بها أنفسنا.  
 والسؤال الذي يتركه ساباتو معلقًا في الهواء: بعد أن أغلقت كتاب "النفق"، كم نفقًا خرجتَ منه؟

تعليقات

5 تعليقات
إرسال تعليق
  1. تبارك الله مستوى جيد في التحليل وسرد الأحداث واصلي
    موضوع في الصميم

    ردحذف
  2. ❤️❤️✨

    ردحذف
  3. أتابع تطور مدونتك بفضول، وأنا فخور جداً بهذا المحتوى الراقي الذي تقدمه. الروايات بين يديك تصبح أكثر إثارة. بانتظار تدوينتك القادمة بكل حماس!

    ردحذف
  4. جميل جدا واصلي ننتظر تدويناتك بفارغ الصبر 😊

    ردحذف
  5. تابعي هدا جميل جدا

    ردحذف

إرسال تعليق