القائمة الرئيسية

الصفحات

           هل تودون أن أكشف لكم حقيقة قاتمة ومؤلمة؟ دعوني أخبركم بأن الناس لا يهتمون سوى بالواجهة هذا ما سنكتشفه في رواية نيكولاي غوغول من خلال قصتين قصيرتين، واحدة عن المعطف والأخرى عن الأنف.


يتحدث نيكولاي غوغول عن قصة المعطف التي تدور حول أكاكي، موظف بسيط في مكتب حكومي بمدينة سان بطرس بورغ في روسيا، كان يرى في مكتبه سوى الورق والحبر، كان يعيش عزلة رغم أنه محاط بالموظفين. 

أكاكي يرى نفسه مواطناً صالحاً يتقن عمله بذمة وضمير، في مقابل هذا كان ينتظر العدالة ألا وهي التقدير، ولكن الواقع كان صفعة؛ زملاؤه كانوا يرونه مجرد خيال باهت وسط المكتب، كائناً بلا صوت وبلا حضور.

 وسط هذا الاحتقار، يرى أكاكي معطفه هو الهروب الوحيد، يتحدث عنه ليس كثوب بل كشيء حي، رفيق دائم وسط عالمه القاتم المليء بالاستفزاز والنفاق الاجتماعي  كان وسط زملائه يقول في نفسه: "حينما سأرتديه، سأصبح أخيراً موجوداً".

ظن أكاكي أن قطعة القماش ستغير نظرة العالم له، وأنه سيصبح أخيراً موجوداً في نظر الناس في يوم ما، قرر أخذ معطفه إلى خياط ليقوم بترقيعه، فيتفاجأ بأن معطفه غير صالح. 

هذه الكلمات من الخياط وقعت عليه كصاعقة، فلم يبقَ له حل غير شراء معطف جديد، رغم قلة ماله صبر لجوع بطنه ومن كل شيء يتمناه  ذهب لشراء المعطف الذي كان يراه كمنقذ لهويته، لبسه أخيراً وكأن شيئاً تغير في نفسه؛ هذه القطعة من القماش جعلته يحلق بفرحته إلى عنان السماء، أصبح أخيراً يمشي بثقة عالية، وأن هذا المعطف سيمحي سنوات من الاحتقار التي عاشها.

في ليلة باردة، حينما كان "أكاكي" عائداً إلى منزله، كان يرتدي مِعطفه الجديد الذي يعتبره درعه الحصين. اعترض سبيله قطاع طرق في زقاق مظلم، لم ير المعتدون فيه إنساناً بل رأوا فيه طريدة ثمينة، اتجهوا نحوه بقسوة وانتزعوا المعطف عنه. بقي "أكاكي" مصدوماً واقفاً في ذهول، فقد سُلبت منه فرحته الوحيدة.

نظرة الناس له بعد سقوط مِعطفه (الذي يعتبره هويته):

حين عاد "أكاكي" إلى المكتب في اليوم التالي، دخل بخطوات ثقيلة كانوا يعتبرونه غير موجود لمجرد سقوط مِعطفه الغالي، كأنه كان هو اللغة الوحيدة التي تُترجم للناس وجوده بينهم. المأساة الحقيقية لم تكن في ضياع المعطف، بل في المجتمع الذي يُمجّد المظاهر؛ حيث وجوده يُختزل في مِعطف، فحينما سقط، سقط هو معه.

إذا نزعنا منك معطفك، بمعنى مهنتك، منصبك، نسبك، لباسك، سيارتك  مَن سيبقى معك؟ هل ستبقى أنت؟ أو ستكتشف نفسك مجرد نكرة في المجتمع؟

إذا كان 'أكاكي' قد تلاشى لأن المجتمع نزع عنه معطفه الخارجي، فماذا سيحدث حين يقرر المجتمع، أو بالأحرى الواقع السريالي، أن ينتزع جزءًا من كياننا الجسدي؟

تدور أحداث القصة الثانية حول رائد حكومي يُدعى 'كوفاليوف'، الذي لا يقبل أن يُنادى إلا بلقب 'رائد'. 

كان يفتخر بنفسه، ويرى نفسه فوق الجميع. ذات صباح، استيقظ كوفاليوف كعادته، أمسك بمرآته ليتأكد من أناقته، ليكتشف أن وجهه أصبح مساحة ملساء فارغة؛ فقد قرر أنفه تركه.

لم يكن الأمر مجرد فقدان عضو، بل كان تمرداً. 

خرج أنفه إلى الشارع مرتديًا زي موظف رفيع المستوى، ينتقل في عربة فاخرة، وكأنه سيد يتفوق على صاحبه. انطلق كوفاليوف يطارد أنفه، ليس حبًا فيه، بل خوفًا من أن يراه الناس مشوهًا، ويفقد مكانته لمجرد اختفاء عضو في جسده.

سواء كنت أكاكي البسيط أو كوفاليوف المتعجرف فالنتيجة واحدة والحقيقة المؤلمة أن مجتمعنا يقدس المظاهر غير آبهين إلى من تكون بل  ماذا ترتدي ويا لسخرية هذا المجتمع يمكنك أن تشتري الاحترام ببدلة باهضة وسيارة أو إذا كنت في القمة فالكل صديقك والكل يقدر وجودك وسيجلهم دائما يمجدونك وإذا سقطت من حسابات المظاهر فأنت مجرد كائن لا يستحق حتى الالتفات.

وفي الأخير، اسأل نفسك: هل أنت فعلاً أنت؟ أم أنك مجرد مجموعة من المعاطف التي ترتديها كل يوم لتنتزع من المجتمع نظرة تقدير زائفة؟ تذكر دائماً، أن المجتمع الذي يرفعك اليوم بمعطفك.. هو نفسه الذي سيدوس عليك غداً حين تسقط، وحين تكتشف أنك كنت مجرد 'معطف' في نظرهم، لا إنساناً.

تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق