القائمة الرئيسية

الصفحات

الهروب المستحيل: رواية "السقوط" لألبرت كامو


يوجد صوت ارْتِطَامٍ مرعب بالماء في حُلْكَةِ الليل، فتاة تغرق وخطوات تَهْرَعُ في صمت هذا الصوت ليس مجرد مشهد في رواية، بل هو الصوت القَابِعُ في أعماق كل منا حينما نُدِيرُ وجوهنا عن مَآسِي الآخرين بحجة أنه  فات الأوان حيث يُطْفِئُ أيقونة الأدب الوجودي  ألبير كامو أضواء كل واحد منا  هنا لن تبقى الأَقْنِعَةُ، سَيَبْدَأُ السُّقُوطُ

في أجواء يغلب عليها الضباب في أمستردام، سنلتقي بـ جان باتيست كلامانس  مَن هو إذن؟ هو الرجل المثالي الذي نَحلم جميعنا أن نكون مِثله؛ محامٍ ناجح، ذكي وأنيق  الرجل الذي يدافع عن المظلومين والمساكين بدون مقابل، حتى كان كل مَن رآه يُشير إليه بأنه رَمز للفضيلة والنقاء الأخلاقي ولكن هذه الفضيلة لم تكن حقيقية، بل كانت عبارة عن قِناع. 

سيجلس كلامانس أمامك ليروي لكَ بكل بُرود ودون توقف، وسيعترف بأن تلك المرتبة العالية كانت فقط مُخدِّراً يُرضي به غُروره وأنانِيَّته المطلقة المخبَّأة خلف الستار، فبينه وبين نفسه يرى أنه فوق الجميع؛ حيث يقول:
"كُنْتُ أَعِيشُ فَوْقَ السَّحَابِ، وَبِشَكْلٍ حَرْفِيٍّ.. كُنْتُ دَائِمًا أَشْعُرُ بِأَنَّنِي أَعْلَى مِنَ الْآخَرِينَ." تلك الصورة الوهمية سوف تنهار في ليلة واحدة فوق قنطرة بباريس ليلة ستجعله يتذوق معنى السقوط الحقيقي.

بدأ سقوط قناعه هنا؛ حينما كان راجعاً إلى بيته في منتصف الليل،  كان الجو هادئاً وضبابياً مر فوق قنطرة فلمح ببصره خيال فتاة مستندة على السور، وقف في صمت يرقب المشهد لأنه كان غريباً، إلا أنه أدار ظهره وأكمل طريقه.
وعلى بعد مسافة قليلة، سمع ارْتِطَاماً مروعاً في الماء؛ صدمة الفتاة الشابة وهي تلقي بنفسها في القاع, سمع صرخات تذبح الصدر صرخات الفتاة وهي تصارع الموت وتغرق وسط الظلام. لم يمد لها يد العون مخافة على نفسه، بل أمضى بخطوات سريعة ورجع إلى سريره الدافئ، حيث يصف كامو هذه اللحظة  قائلاً:

"سَمِعْتُ ارْتِطَامًا، ثُمَّ صَرْخَةً تَمَّ تَرْدِيدُهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَكَانَتْ تَهْبِطُ أَيْضًا مَعَ مَجْرَى النَّهْرِ، ثُمَّ انْقَطَعَتْ فَجْأَةً  كَانَ النُّبْلُ وَالْقُوَّةُ قَدْ شُلَّا فِيَّ، وَلَمْ أَتَحَرَّكْ.. لَقَدْ فَاتَ الْأَوَانُ، كَمَا كُنْتُ أَظُنُّ، وَلَمْ أُخْبِرْ أَحَدًا."

مرت السنين، وكان كلامانس يظن بأنه دفن ذلك السر إلى الأبد، إلا أنه ستأتي ليلة خريفية تجعله عارياً أمام حقيقة مرعبة  سَمِعَ في أذنه ضحكة باردة وسادية، كانت كصاعقة كهربائية تعصف بكيانه؛ لـيكتشف أن تلك الضحكة ما هي إلا صوت ضميره حين استيقظ ليواجهه بحقيقته؛ أنه ليس مثالياً، وأن قناعه قد سقط إلى الأبد، لتعلن تلك اللحظة أنَّ المحاكمة الحقيقية قد بدأت، حيث يقول :
"فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَهِمْتُ أَنَّنِي لَسْتُ نَقِيًّا، وَأَنَّ النِّفَاقَ كَانَ هُوَ هَوَائِي الَّذِي أَتَنَفَّسُهُ."

أصعبُ هُروبٍ هو حِينما تحاول الفرار من نفسك؛ فباريس التي كانت عاصمة المجد والمثالية لـ "كلامانس"، تحولت فجأة إلى قَفَصٍ سَحِيقٍ، أينما حَلَّ فيه سَمِعَ صَدَى ذَنْبِهِ. 
فَمِن الناحية السيكولوجية، الخوف على الحياة غريزة بشرية مبررة، لـكِنَّ الجريمة الكبرى تكمنُ حينما يتحول هذا الخوف إلى عُذْرٍ لِلَّامُبَالَاةِ.

الامتدادُ المفزعُ للقصة يتجلى في أننا نعيش في مجتمعٍ مليءٍ بِمَرَايَا مُزَيَّفَةٍ؛ جماعةٍ من المتفرجين يتقنون الكلام ويموتُ فيهم الفعل مجتمعٌ يرى الضحية وهي تغرق، فـيكتفي بِتَسْجِيلِ اللَّحْظَةِ أو إغلاقِ النافذة.


         وكأن صدى كلامانس يهمس لنا: يا لها من أمنية متأخرة.. أن تعود المياه ثانية، ليرمي المرء نفسه في اليم لإنقاذهما معاً! لكن لا تقلق، لقد فات الأوان الآن، وسيفوت الأوان دائماً.



تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق
  1. سرد رائع وجميل متسق مستوى أدبي و فكري كبير استمري وفقك الله

    ردحذف
  2. جميييييل

    ردحذف

إرسال تعليق