القائمة الرئيسية

الصفحات

ما عاد يجوز أن يختلط المرء بأي إنسان، كائناً من كان ، في أيامنا هذه ، فالعالم يعجّ بالقمامة!



ماذا لو كان اكثر انسان قدره على شم الروائح يكون استثنائيا هو هو اقل شعورا بالانسانيه من هو باتريك زوسكيند؟
هو رُوائيٌ وكَاتِبٌ ألمانيٌ وُلِدَ سنةَ 1945، وهو يُعَدُّ من أبرزِ كُتَّابِ الأدبِ الألمانيِّ المعاصرِ، يَتَمَيَّزُ أسلوبُهُ الدَّقيقُ في الوصفِ وبقدرتِهِ على الغوصِ في أعماقِ النفسِ البشريَّةِ.
     العنوانُ: 
من اللحظةِ الأولى سيبدو العنوانُ بسيطًا، لكنَّهُ يحملُ دلالةً عميقةً، فالكاتبُ لم يُرَكِّزْ على القتلِ بالرغمِ من ترابطِ العنوانِ، لكنَّهُ رَكَّزَ على العطرِ الذي هو بمثابةِ مُحَرِّكٍ للأحداثِ.
 في هذه الروايةِ لا يُمَثِّلُ العطرُ رائحةً جميلةً، بل يُصبحُ أكبرَ دلالةٍ للهويَّةِ، الرغبةِ، السلطةِ والهوسِ  لكي نعيَ بأنَّ أكثرَ الأشياءِ رقةً قد تتحولُ يومًا ما إلى سلاحٍ فتاكٍ.
شخصيةُ جان باتيست غرونوي: 
ازدادَ جان باتيست غرونوي في أكثرِ الأحياءِ بؤسًا في باريسَ، كان بالنسبةِ لهم مكانًا يخلو من الدفءِ والرحمةِ، فقد تخلتْ عنهُ أمهُ مباشرةً بعد ولادتِهِ. كَبِرَ غرونوي دونَ أن يَذُوقَ معنى الطمأنينةِ والحنانِ في الأسرةِ، لم يَشْعُرْ يومًا بأنَّهُ مرغوبٌ أو محبوبٌ  يَصِفُهُ الكاتبُ بأنهُ لا يحملُ رائحةً خاصةً بهِ، هذا التفصيلُ ليس عابرًا بل يَرمِزُ إلى فقدانِهِ للهويَّةِ والانتماءِ منذ طفولتِهِ. 

   موهبته الاستثنائيّة : 
اكتشف غرونوي أنّه يمتلك حاسة شمّ خارقة تُميّزه وتستثنيني عن أي إنسان، كان يُميّز الرّوائح بدقة مذهلة ويحفظها كما يحفظ غيره الأسماء  مع مرور الوقت تحولت هذه الموهبة إلى هوس سيُغيّر حياته بالكامل حينما أصبح غرونوي يقيّس قيمة الأشخاص والأشياء بما تحمله من روائح، قرر كيف سيحافظ على هذا الجمال إلى الأبد. بدأ اهتمامه يتحول من مجرد إعجاب بالروائح إلى امتلاكها بأي ثمن. ومن وجهة نظري، لم يكن غرونوي يبحث عن عطر جميل فقط، بل كان يبحث عن شيء يفتقده طوال حياته، ذلك الإحساس الذي يُشعره بأنه موجود وله قيمة، لكنّه اختار منعطفًا خاطئًا وأصبح قاتلًا لعدد كبير من الفتيات فقد كانت وسيلة في مشروعه الجديد لصناعة العطر المثاليّ.
ضحيّة أم مجرم؟ يُعدّ غرونوي من أكثر الشخصيات الأدبية التي يصعب إصدار حكم عليها؛ هل هو ضحية لظروفه التي لم يخترها أم ذلك الجانب المظلم تطوّر مع طفولته القاسية وبدأ بالظهور حينما كَبِر عندما تخلت عنه والدته وكأنّها تخلصت من شيء، فقضى طفولة مريرة مليئة بالقسوة لم يذق معها معنى الاستقرار؟ لكنْ في المقابل، لا يمكن تبرير جرائمه، وهنا تكمن عبقرية الكاتب فهو لم يطلب من القارئ أن يتعاطف مع غرونوي أو أن يكرهه، بل تركه في منطقة رمادية تتصارع الشفقة فيها مع الإدانة. إلى أي حدّ يمكن لطفولة قاسية أن تساهم في تغيير الإنسان؟
الرسائل التي تحملها الرواية: 
حينما يفتقد الإنسان للحبّ في طفولته، يجعله ذلك حينما يكبر يستمد قيمته بطرق خاطئة قد تجعله يدمر حياته بالكامل.
بالنسبة لي، رواية  العطر  قصة قاتل لم تكن مجرد رواية عابرة، بل تركت داخلي بصمة وأسئلة تجعلك تتوقف وتسأل نفسك: هل للطفولة دور هامّ في تكوين شخصية الإنسان؟ وكثيرًا ما أحسست بالشفقة على غرونوي بسبب ما عاشه، ولكنّ ما فعله لم يكن له مبرر حينما تتجاوز حدودك في إيذاء الآخرين  وهذا التناقض هو ما جعل شخصيته تبقى عالقة في ذهني بعدما أنهيت من قراءة الرواية.

تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق
  1. رواية جميلة ♥️♥️
    في رأيي للطفولة دور هام في تكوين شخصية الإنسان، لكن مهما بلغت صعوبة الطفولة فهذا ليس مبرر لكي يصبح الإنسان مجرما.

    ردحذف

إرسال تعليق