القائمة الرئيسية

الصفحات

أليكس مايكلديس: المريضة الصامتة

 


في كثير من الأحيان لا يكون الصمت مجرد امتناع عن الكلام، بل قد يكون محنة نفسية تنهش في نفس الإنسان. 
رواية المريضة الصامتة تحفة أدبية للكاتب أليكس ميكايليس، تدور أحداث الرواية حول أليسيا بيرينسون ذات الثلاث والثلاثين سنة، وهي فنانة تشكيلية مشهورة تعيش حياة تبدو مثالية مع زوجها البالغ من العمر أربعة وأربعين سنة، مصور أزياء معروف.

كانت هذه المثالية مجرد واجهة وهمية؛ ففي ليلة مدمية كان الجو فيها حاراً، وكان منزل أليسيا وغابرييل يعمه ظلام شديد السواد، وكأن الطبيعة  نفسها تتنبأ بالفاجعة. 
أقدمت أليسيا في هذه اللحظة على ارتكاب جريمة مروعة اهتز لها عرش السكون، إذ أطلقت بكل برود ظاهر عدة طلقات نارية في وجه زوجها، لينتهي به المطاف جثة هامدة دون حركة  وبعد هذا الحدث  المؤلم،  تبدأ أطول قصة صمت عرفها عالم الجريمة والنفس البشرية.

يأخذنا الكاتب إلى أسطورة إغريقية تخص "ألسيستيس"؛ تحكي عن قصة حب محزنة تُعتبر من أقصى درجات التضحية، حيث تضحي بحياتها وتموت بدلا من زوجها أدميتوس لإنقاذه.

ثيو فابر هو طبيب نفسي كان يعالج الآخرين بينما يحمل عدة جروح  يسعى هذا الطبيب جاهدًا لفهم صمت أليسيا ويؤمن أن خلف صمتها حقيقة مؤلمة  يبدو في البداية بأنه شخص هادئ متعاطف، لكنه يحمل خلفه اضطرابات وصدمات نفسية من طفولته حيث نشأ مع أب قاس ترك في نفسه ندوبًا لا تزال معه، جعلته يمثل في الرواية فكرة أن المعالج النفسي قد يكون هو أيضا بحاجة إلى العلاج.

في أروقة المصحة..

داخل أسوار المصحة النفسية، كانت أليسيا تجلس فوق السرير تحدق خارج النافذة رافضة النطق ولو بكلمة واحدة، اختارت أن تعبر عن كل ما تحمله في جوفها بلغة أخرى لا تحتاج إلى أصوات؛ لغة الفن والريشة  كانت قد رسمت لوحة "ألسيستيس" التي كانت مهمة بطريقة ما، تحمل بين طياتها حقيقة صراعها الداخلي.

طوال هذه الجلسات العلاجية المشحونة بالتوتر والقلق، بدأت الحقيقة تنكشف تدريجياً لتضعنا أمام نهاية صادمة ومؤلمة تعصف بكل توقعاتنا؛ حيث تكشف لنا أن المعالج النفسي الذي جاء ليشفي الجرح، ربما كان هو الجاني الخفي والسبب الجذري للمأساة  الحقيقة أن "ثيو فابر"، المعالج الذي يبحث عن أليسيا لإنقاذها، لم يكن سوى ذلك الرجل الذي اقتحم منزلها ليلة الجريمة، بعدما علم أن زوجته تخونه مع زوج أليسيا "غابرييل".

في تلك الليلة المروعة، وضع ثيو الزوجين تحت تهديد السلاح، حيث خير غابرييل بالموت هو أو أليسيا، فاختار نفسه وفضل أن يضحي بزوجته  لم تتحمل أليسيا هذه الخيانة من زوجها، فأطلقت عليه الرصاص حتى الموت.

أما داخل المصحة، فقد حاول ثيو التخلص من أليسيا بإعطائها جرعة زائدة، لكنها لم تستسلم له، ودونت الحقيقة الكاملة في مذكراتها،  من خلالها وصلت الحقيقة إلى الشرطة لتتضح اللعبة، ويفاجأ الجميع أن القاتل الحقيقي كان يعالج ضحيته طوال الوقت.
بعد أن أغلقت صفحات هذه الرواية، جعلتني أؤمن أكثر بأن الصمت ليس دائماً فراغاً، بل أحياناً يكون صرخة مؤلمة تحفر في نفسية الإنسان  تركت هذه التحفة في ذهني قصة لا تنتهي؛ فأحياناً يكون الصمت هو أحسن دفاع، حيث توجد أشياء أكبر من شرحها بالكلام.
ويبقى السؤال: لو وجدتم أنفسكم في قفص الصمت، بأي لغة كنتم ستدافعون عن أنفسكم؟

تعليقات

5 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق