لا قيمة للحياة دون عِشْقٍ ، لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده؛ رُوحِيٌّ أم مَادِّيٌّ، إِلَهِيٌّ أم دُنْيَوِيٌّ، غَرْبِيٌّ أم شَرْقِيٌّ؛ فالاِنْقِسَامَاتُ لا تؤدي إلا إلى مزيد من الاِنْقِسَامَاتِ ، ليس للعشق تسميات ولا علامات وتعريفات، إنه كما هو نقي وبسيط؛ العشق ماء الحياة والعشق هو روح من نار، يصبح الكون مختلفاً عندما تعشق النار الماء.
هذه هي القاعدة رقم الْأَرْبَعِينَ من رواية "قواعد العشق الأربعون" للكاتبة التركية إليف شافاق، رواية تأخذنا إلى خطين متوازيين يلتقيان في نقطة واحدة: الحب، رحلة بين الماضي والحاضر تربط قصة جلال الدين الرومي وشمس التبريزي رواية لا تحكي عن الحب بين شخصين بل عن أربعين قاعدة تغير طريقة تفكيرنا في الحياة ولله ولأنفسنا.
إذن، ما مفهوم العشق الحقيقي؟ وهل يمكن لشخص واحد أن يغير مسار حياة إنسان بالكامل؟ وما الفرق بين حب العقل وحب القلب الذي تحدثت عنه الرواية؟
البارحة قرأت مقولة لجلال الدين الرومي جعلتني أتوقف للحظات في تأمل عميق، يقول فيها: الكون كله يتحرك بحب، نحن لسنا إلا نغمات في هذا اللحن العظيم، إذا أردت أن تكون سَعِيداً فلا تحارب الموجة بل تعلم كيف تتنفس معها.
الرواية ليست مجرد سرد أدبي تاريخي، بل هي رحلة في خطين متوازيين يثبتان أن الزمن لا يغير حاجة الإنسان للحب والتحول، حيث تعود أحداث القصة إلى القرن التاسع عشر في مدينة قونية التركية، حيث نلتقي بجلال الدين الرومي وهو في قمة مجده كفقيه وعالم دين، كانت حياته كلها مجرد قوانين وكتب وتلاميذ، وكانت حياة الرومي جِداً هادئة ومثالية في ظاهرها؛ يحترمه الجميع، يدرس جميع أبناء المنطقة، يجلس مع أكبر الأمراء والوزراء وله زوجة وأبناء، لكن في داخله يشعر بثقل لا يفهمه كأنه يحمل مكتبة كاملة في رأسه لكن قلبه فارغ تماماً.
وفي نفس الوقت دخل شمس التبريزي إلى مدينة قونية، فهو لم يدخلها كعالم دين أو تاجر، بل دخل كأَجْوِبَةٍ عن أسئلة الرومي وفهمه الخاطئ للحياة بصفة عامة، فهو رجل عادي لم يملك أي منصب أو عائلة أو بيت، لكنه يملك الصدق القاتل في قول الحقيقة والتعبير عنها كما يجب.
في يوم من الأيام، كان جلال الدين الرومي جَالِساً في السوق مُحَاطاً بتلاميذه، هنا وقع اللقاء الذي غير التاريخ، حيث تقدم شمس في وسط الجميع وسأل الرومي بصوت مرتفع: يا مولانا من الأعظم؟ أنت أم بايزيد البسطامي صُوفِيٌّ وَفَقِيهٌ؟ فتعجب الرومي وأجاب بعزة نفس: بل أنا الأعظم، أنا أحفظ القرآن والحديث والفقه وإمام الناس، أما البسطامي فما كان إلا رَجُلاً عَادِيّاً.
فالتفت التبريزي إلى تلاميذ الرومي وقال لهم: انصرفوا ، وأخذ بيد الرومي إلى بيته فأغلق الباب عليهما أربعين يوماً وأربعين ليلةً في تلك الأيام لم يكن شمس معلماً ولا تلميذاً، بل كان مرآة معاكسة لحقيقة كان يجهلها الرومي؛ حيث كان شمس يسأل والرومي يجيب، ثم يضحك ويقول له: أخطأت كان يذهب به للمسجد طيلة أربعين يوماً ويعلمه أن الله لا يوجد في الكتب والصفحات فقط، بل يوجد في كل دمعة، في كل فرحة، في كل حزن وألم.
ومن تلك الأربعين يوماً ولدت قواعد العشق الأربعون، أول قاعدة هي حب الله ساهمت هذه القواعد في تغيير حياة الرومي للأحسن وفي يوم من الأيام اختفى شمس التبريزي فجأة، لم يعرف الرومي عنه أي خبر، حزن على فراقه حزناً شديداً لكن لم ينسَ ما علمه إياه؛ علمه كيف يعيش مع كل موقف، مع كل ألم ترك أثراً لا يمحوه الزمن.
بعد سبعة قرون من قصة الرومي وشمس، ننتقل إلى بوسطن سنة 2008، نلتقي بإيلا روبي، امرأة في الأربعين من عمرها، متزوجة ولديها ثلاثة أطفال، كانت حياتها جِداً هادئة، تعمل في دار النشر، كانت أمّاً وربة بيت ناجحة وزوجة مثالية، حياتها تبدو في ظاهرها جِداً مستقرة لكن داخلها فارغ تماماً كصفحة بيضاء. ومع مرور الوقت تكتشف إيلا خيانة زوجها لها، ترى نفسها في مكان غير مكانها وتعيش حياة غير التي تستحق.
يعرض عليها ذات يوم في دار النشر أن تقرأ مخطوطة قبل ما يتم نشرها، كان عنوان هذه المخطوطة هو "الكفر الحلو"، كاتبها كان مجهول الهوية سمي نفسه عزيز تبدأ إيلا بالقراءة فتجد القصة تأخذها إلى قونية في القرن التاسع عشر إلى قصة الرومي وشمس التبريزي (قواعد العشق الأربعون).
كانت كل قاعدة تصل إليها تلمس جرحاً داخلها وتوقظها، تتأثر فكانت تكتب إلى الكاتب رسالة شكر فيرد عليها عزيز، فتبدأ بينهما رسائل يومية يتحدثان عن الله وعن الألم وحتى عن الحب، فيصبح عزيز هو تلك المرآة لإيلا كما كان شمس مرآة للرومي يدعوها عزيز للقاء في ميشيغان فتترك إيلا بيتها وحياتها وتسافر، لكنه عندما رآها من بعيد خاف فتركها وحدها وهرب هنا ينكسر كل شيء داخلها كما انكسر الرومي عندما اختفى شمس، لكن هذا الانكسار خلف إيلا جديدة؛ حيث طلبت الطلاق من زوجها وتركت حياتها في بوسطن وذهبت إلى قونية التركية تبحث عن نفسها وعما تستحقه تفهم في النهاية أن العشق الحقيقي ليس في أن تجد شخصاً آخر، بل العشق هو أن تجد نفسك أولاً، وأن كل قاعدة من الأربعين كانت طريقاً لتصل إلى مركزها.
في الختام، لم تكن رواية "قواعد العشق الأربعون" مجرد رواية عادية أو قصة حب، بل كانت عبارة عن جواب لسؤال كنا نجهله جميعاً هو: ماذا لو كان الشخص الذي تنتظره طوال حياتك هو أنت؟ فشمس لم يعطِ الرومي كتاباً، أعطاه مرآة، وعزيز لم يعطِ إيلا وعداً، بل أعطاها طريقاً.

ما شاء الله أسلوب جمييل
ردحذف