القائمة الرئيسية

الصفحات

الفقراء ( دوستوفسكي): الرواية التي جعلتني أرى الفقر من زاوية أخرى

  لم أطلب يدًا تمسح دموعَ الفزع، ولم أوقظ أحدًا ليُعانقني كي أهدأ  فعلامَ يجب أن أكون ممتنًّا؟ لقد عشتُ أسوأَ اللحظات  بمفردي. 
✦ فيودور دوستويفسكي
 رواية «الفقراء»


الفقراء
، هي أول رواية كتبها دوستويفسكي، بحيث حققت نجاحاً كبيراً مما جعله في الواجهة بهذه التحفة الأدبية، سيبرز لنا عملاق الأدب الروسي بأن الفقر لا يقتصر دائماً في مظهر حين تكون الثياب ممزقة؛ لكن هنا هناك فقر آخر لا تراه العين، فقر يتسلل إلى الروح يجعل الإنسان يعتذر عن وجوده.

 تدور أحداث رواية الفقراء من خلال رسائل متبادلة بين الموظف الفقير ماكار ديفوشكين وفارفارا ديبروسيلوفا الفتاة اليتيمة التي تعيش ظروفاً قاسية  ماكار هو موظف بسيط يعيش على راتب بالكاد يكفيه، يعيش في فقر ويستأجر زاوية صغيرة في مطبخ مشترك  يملك حساسية تجاه نظرة المجتمع بسبب ملابسه البالية وحذائه الممزق، كان يعتقد بأن فقره يجعله أقل قيمة من الآخرين  لذلك كان يخفي معاناته ويعيشها وحده؛ رغم فقره المدقع وحياته البائسة، ظل ماكار إنساناً رقيق القلب  فقد أحب فارفارا بصدق، كان يحرم نفسه من أبسط الأشياء ليراها في أحسن حال، لم يطلب منها مقابل، بل كان حبّاً لا مشروطاً  وهنا يبين لنا دوستويفسكي بأن الفقر قد يكون مالياً، لكن ماكار غني في مشاعره ووفائه.

   من هي فارفارا؟ 

هي امرأة صنعتها المعاناة  تظهر فارفارا منذ الصفحات الأولى شخصية هادئة رقيقة، لكن في داخلها تحمل ألماً كبيراً. فقد عاشت الفقر واليتم حين توفي والداها، وأصبحت في عمر صغير أكثر نضجاً  كانت تشعر بالامتنان لماكار، وتكن له مشاعر الاحترام والتقدير  وفي الوقت نفسه كانت تخشى أن يكون عبئها سبباً في زيادة معاناته  كانت تقول له في إحدى رسائلها: "لا تحرم نفسك من أجلي"  ورغم أنها تحب ماكار، كانت فارفارا تدرك أن المشاعر وحدها لا تكفي لتغيير الواقع  قد يخرج بعض القراء من الرواية غاضبين منها  لأنها في النهاية لم تختر ماكار رغم كل 
ما قدمه لها من حب وتضحية، فقد كان يوفر لها الحب والأمان، لكنه عجز عن انتشالها من دائرة الفقر التي يعيشان فيها. 

السيد بيكوف
 
هو رجل ثري اعتاد استخدام المال والنفوذ لتحقيق ما يريد؛ بيكوف لا يعرف معنى الحب والتضحية كما كان ماكار، بل كان قادراً على تغيير مصير فارفارا بفضل مكانته الاجتماعية والمالية  وافقت بالزواج من بيكوف وغادرت معه إلى مدينة أخرى، وكانت رسالتها إلى ماكار من أكثر اللحظات تأثيراً.
 من بين سطور الرواية هناك رسائل لا تنسى. 

صور لنا دوستويفسكي الفقر في المال والواقع المعاش، لكن أكثر فقر يمكن للإنسان أن يعيشه هو أن تتحطم ثقته بنفسه حين يخذل بسبب إخفاء فقره، لأنه يجعله أقل قيمة في نظر المجتمع بسبب وضعيته المادية.
 تنتقد الرواية أيضاً المجتمع؛ فقد يكون شريكاً في معاناة الإنسان حينما يقيس قيمة الناس بما يملكون، وبنظرات الإهمال والاحتقار.

والرؤية التي طرحها دوستويفسكي من خلال شخصية ماكار تبرز حين تحمّل الجوع ، لكنه عجز عن تحمل نظرات الازدراء والشفقة ففي هذه الرواية، لا يوجه الكاتب الاتهام لشخصياته، بل يدين مجتمعاً جعل من الفقر جريمة فالمرء لا ينساق دائماً خلف رغبات قلبه، بل قد يستسلم  لما يمليه عليه قسوة الواقع؛ ولهذا لم يُصوّر دوستويفسكي فارفارا كامرأة شريرة، بل كإنسانة محاصرة بتيارات الظروف. 
حين طويت آخر صفحة من رواية الفقراء، أدركت حقاً أنها ملحمة تدافع عن الكرامة قبل كل شيء  سؤالي لكم: لو كنتم مكان فارفارا، هل كنتم ستفضلون الحب أم طوق النجاة الذي ينتشلكم من واقع مرير فرض عليكم؟

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق